الحمد لله الذي كرم الإنسان، وميزه على كثير من خلقه بنعمة العقل والبيان، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد: فمرجع الشريعة الإسلامية إلى أصلين شريفين: القرآن الكريم، والسنة النبوية.

والقرآن أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم، ومعجزة النبي العظمى، وآياته الباقية على وجه الدهر.

والسنة بيان للقرآن، وشرح لأحكامه، وبسط لأصوله، وتمام لتشريعاته، والسنة متى تثبت عن المعصوم – صلوات الله وسلامه عليه – فهي تشريع وهداية، وواجبة الاتباع ولا محالة.

والسنة بعضها بوحي جلي عن طريق أمين الوحي جبريل عليه السلام وبعضها بالإلهام والقذف في القلب وبعضها بالاجتهاد على حسب ما علم النبي من علوم القرآن، وقواعد الشريعة، وما امتلأ به قلبه من فيوضات الوحي والتعليم الإلهي الذي لا يتوقف على قراءة وكتابة وكسب وبحث، وصدق الله حيث يقول اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم فالتعليم بالقلم إشارة إلى العلم الكسبي، وما بعدها إشارة إلى العلم الوهبي الذي يضعه الله حيث شاء.

ومتى اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم وسكت الوحي عن اجتهاده اعتبر هذا إقرارا من الله – سبحانه وتعالى – له واكتسب صفة ما أوحى إليه به وبهذا المعنى يعتبر كل ما صدر عن النبي وحيا، وصدق الله حيث يقول: والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى وقد عنيت الأمة الإسلامية بتبليغ هذين الأصلين عناية فائقة لم تعهد في أمة من الأمم نحو ما أثر عن أنبيائها وملوكها وعظمائها، فقد حفظ الصحابة القرآن وتدبروه وفقهوه، وبلغوه كما أنزله الله إلى من جاء بعدهم من التابعين وحمله التابعون وبلغوه – كما تلقوه – إلى من جاء بعدهم، وهكذا تداوله الجم الغفير الذين لا يحصون في كل عصر إلى أهل العصر الذين يلونهم، وانضم إلى الحفظ والتلقي الشفاهي التقييد بالكتابة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى وصل إلينا لا تزيد فيه ولا اختلاق ولا تحريف ولا تبديل، مصداقا لقول الله سبحانه: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .

وكذلك عني الصحابة بالسنة المحمدية حفظا وفهما وفقها وبلغوها بلفظها –وهو الغالب والأصل– أو بمعناها إلى من جاء بعدهم من التابعين، وبلغها التابعون لتابعي التابعين وهلم جرا.

ولم تكن السنن والأحاديث مدونة بصفة عامة في القرن الأول وذلك لما ورد من النهي عن ذلك خشية اختلاطها بالقرآن أو اشتغال الصحابة بها عن القرآن وبذلك انتهى القرن الأول والكاتبون للسنة قليلون وإن كان الحافظون لها المقيدون لها في الصدور مثيرين.

ولم يكد يبدأ القرن الثاني حتى بدأ التدوين بصفة عامة، ونشط العلماء لهذا العمل المشكور نشاطا قويا، وقد اقترنت حركة التدوين بحركة النقد والتعديل والتجريح والتحري عن الحق والصدق والصواب، ووضع أئمة الحديث وصيارفته لهذا أدق قواعد النقد وآصلها وأعدلها سواء أكان ذلك يتعلق بنقد الأسانيد أم المتون.

وقد تمخضت هذه الحركة التدوينية عن كتب قيمة، وموسوعات ضخمة اشتملت على الأحاديث النبوية التي تصلح للاحتجاج، أو للتقوية والاستشهاد، ومن هذه الكتب ما هو خاص بالصحيح، ومنها ما هو مشتمل على الصحيح والحسن والضعيف، ومنها ما هو خاص بالحديث النبوي ، ومنها ما يشتمل على أقوال الصحابة والتابعين.

وقد مني الإسلام من قديم الزمان بأعداء لا ينامون. يضمرون له الكيد وينسجون الخيوط ويحيكون المؤامرات لذهاب دولته وسلطانه.

وهؤلاء لما لم يتمكنوا من المجاهرة بالعداوة لجأوا إلى الدس والخديعة واتبعوا في سبيل ذلك وسائل متعددة: فطورا عن طريق إظهار الحب والتودد لآل بيت الرسول كما فعل السبئين وطورا عن طريق التأويل في النصوص الدينية تأويلا لا يشهد له لغة ولا شرع، ومحاولة إبطال التكاليف الدينية كما فعل الباطنية والقرامطة وأضرابهم.

وقد حاول هؤلاء الأعداء أن يشككوا المسلمين في أساس دينهم وهو القرآن الكريم وذلك بالتشكيك في تواتره وإعجازه وسلامته من الاختلاف والتناقض وصلاحية إحكامه لكل عصر ولكل بيئة، وفي سبيل هذه الغاية اختلقوا الروايات وحرفوا معاني الآيات.

وكذلك حاولوا أن يشككوا المسلمين في الأصل الثاني وهو السنة النبوية وقد اتخذوا للوصول إلى هذه الغاية الدنيئة أساليب متعددة، فتارة عن طريق التشكيك في ثبوتها، وأنها آحادية وليست متواترة.

وتارة أخرى عن طريق اختلاق الروايات التي تظهر الأحاديث بمظهر السطحية والسذاجة في التفكير ومخالفة الواقع المحسوس أو العقل الصريح أو النقل الصحيح أو التجربة المسلمة إلى غير ذلك من الأساليب، وقد حمل لواء هذا التهجم من قديم الزمان "النظام" ومن على شاكلته من أعداء السنن النبوية، وقد عرض للكثير من مقالاتهم في الأحاديث العلامة "ابن قتيبة" في كتابه "تأويل مختلف الحديث".

وقد جاء القساوسة والمستشرقون في العصور الحديثة فأخذوا هذه الطعون والشبهات فنفخوا فيها وزادوا فيها ما شاء لهم هواهم أن يزيدوا وحملوها أكثر مما تحمل وطلعوا بها على الناس.

ومما يؤسف له غاية الأسف أن بعض الذين يثقون بكل ما يرد عن الغربيين من آراء ومذاهب قد تلقفوا هذه الشبهات والطعون ونسبها بعضهم إلى نفسه زورا فكان كلابس ثوبي زور، والبعض الآخر لم ينتحلها لنفسه ولكنه ارتضاها وجعل من نفسه بوقا لتردادها، ومن هؤلاء من ضمن كتبه هذه الشبهات بل وقوى من أمرها وذلك كما فعل الأستاذ أحمد أمين – رحمه الله – في كتابيه "فجر الإسلام" و "ضحى الإسلام" وهو وإن كان جارى المستشرقين في كثير مما زعموا فقد خالفهم في بعض ما حدسوا، وكان عفيفا في عبارته، مترفقا في نقده.

وبعض هؤلاء المتلقفين كانوا أشد من المستشرقين والمبشرين هوى وعصبية وعداء ظاهرا للسنة وأهلها وزاد عليهم الإسفاف في العبارة وأتى في تناوله للصحابة ولا سيما الصحابي الجليل "أبو هريرة" رضي الله عنه بألفاظ نابية عارية من كل أدب ومروءة، وذلك كما صنع الشيخ محمود أبو رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية ".

وشتان ما بين صنيع الأستاذ أحمد أمين، وبين ما صنع أبو رية، والفرق بينهما فرق ما بين العالم والمدعي، والباحث الأصيل والمتعلق بأذيال الباحثين.

والبحث في السنة وعلومها ليس هينا ولا سهلا، وإنما يحتاج إلى صبر وأناة، وإعمال روية وإطالة نظر، والنظر السطحي والبحث الخاطف لا يؤديان إلا إلى آراء مبتسرة ونتائج فاسدة.

وقد تكشف لي أن بعض الأخطاء التي وقع فيها المستشرقون ومتابعوهم جاءت من أنهم لم يستكهنوا الأمور، ولم يصلوا إلى الأعماق والجذور، ولم يستشفوا ما وراء الظواهر، ولم يتمثلوا حق التمثل البيئة والعصر والملابسات التي جمعت فيها الأحاديث، والصفات التي كانت من ملازمات أئمة الحديث من دين، وعلم، وتثبت، وحذر بالغ، وأمانة فائقة، ومراقبة لله في السر والعلن.

وقد قيَّض الله – سبحانه – للسنن والأحاديث من نافح عنها ورد كيد الكائدين لها، ولن يخلوا عصر من العصور من عالم ينفي عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

ورحم الله الإمام " ابن قتيبة " فقد عرض لكثير من الشبه التي أوردها أعداء الأحاديث، وكان له في ردها جهاد مشكور مذكور بالإكبار والإعظام. ولا يزال في كل قطر من أقطار الإسلام من شغف بالسنن والأحاديث، وتعمق في دراستها، وجاهد في رد الشبهات عنها، وألفوا في هذا السبيل المؤلفات القيمة، من علماء الأزهر وغيرهم من علماء الحجاز والشام والهند والمغرب.

وقد شاء الله سبحانه لي – ولله الحمد والمنة – أن أكون من المتشرفين بدراسة السنة والمدافعين عن ساحتها الطاهرة دفاعا عن علم وتثبت، ودراسة واقتناع، لا عن عصبية وعاطفة، وقد عرضت لبعض هذه الشبهات وردها ردا علميا صحيحا في كتابي الذي نلت به درجة الأستاذية " الدكتوراه " وسميته ": الوضع في الحديث، ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين ".

ولما صدر كتاب " أضواء على السنة المحمدية " وجدت مؤلفه تلقف فيه كل ما قاله الأقدميون والمحدثون من طعون في الأحاديث، ورجالها، وما قاله المستشرقون والمبشرون، وأذنابهم، وحرص أشد الحرص على أن يظهر السنة بمظهر الاختلاف والتناقض، والتحريف والتبديل، والسذاجة والتخريف، وفي سبيل هذا الغرض زيف الصحيح، وصحح المختلق المكذوب، وقد رأيت أن الرد على هذا الكتاب يعتبر ردا لكل ما أثير حول السنة من طعون ولغط فمن ثم أسميته " دفاع عن السنة، ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين ".

وقد بدأت الرد على صفحات مجلة الأزهر، وكتبت فيها سبع مقالات متوالية، ثم جدت أحوال وملابسات توقفت بسببها عن الرد على صفحات هذه المجلة، ثم أخذت في إكمال الردود وتفرغت لذلك، وقد يسر الله – وله الحمد والمنة – وأعان، فكان هذا الكتاب.

ولا يفوتني أن أنوه بما قام به في هذا المضمار أخوان كريمان وشيخان جليلان، هما الأستاذان: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، ومحمد عبد الرزاق حمزة.

فقد أخرج كل منهما في ذلك كتابا حافلا، فلهما من الله سبحانه الجزاء الأوفى، ومن الناس الثناء والدعاء.

وها أنذا أزف كتابي إلى قراء العربية، وعشاق السنة ومحبيها ذوي الغيرة عليها، وإلى طلاب الحقيقة، ومحبي المعرفة في كل قطر من أقطار الإسلام والعروبة، وسأقدم بين يدي الردود بحوثا في منزلة السنة من الدين، والاحتجاج بها، وموجزا في الأطوار التي مرت بها، والأصول والقواعد التي وضعها علماء الرواية وأئمة النقد في الإسلام.

فإن كل ما قلته صوابا فمن الله، وإن كانت الأخرى فالحق أردت، والصواب قصدت " وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ".

كتبه أبو محمد محمد بن محمد أبو شهبة من علماء الأزهر الشريف

     
     
   
   
 
 
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم