شبهات حول السنة >> الرد على شبهاتهم
 
     
     
  1) إن الحق لا يعرف بالرجال ولكن الرجال هم الذين يعرفون الحق، وفي كلام أبي الحسن علي: " اعرف الحق تعرف أهله ".

والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ليس أبا عذرتها في هذا إنما هو متابع لمن سبقه من رؤساء الاعتزال وأمثالهم ومن نهج نهجهم، وإذا كان هذا الذي يتمسح بأقوال العلماء لا يعرف الحق إلا بالرجال فلنجاره في هذا ولنبين له ولأمثاله أن الأخذ بالحديث الصحيح وعدم رده وتأويله بما يوافق العقل، والنقل المتواتر مذهب جماهير العلماء سلفا وخلفا، ورد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة، ولتوهم مخالفتها للعقل، أو القرآن أو العلم ليس من التحقيق العلمي في شيء، والأحاديث الصحيحة الموثوق بها، وإن كانت لا تفيد يقينا في العقائد الثانوية لكنها تفيد غلبة الظن فيها، ونحن لا نخالف في أن العقائد الأساسية في الإسلام كإثبات الصانع جل جلاله، والتوحيد، وإثبات البعث، وإثبات رسالة الرسل لا يكتفي فيها إلا بما يفيد القطع واليقين.

ولئن كان الإمام الشيخ محمد عبده قد أنكر حديث السحر فقد أثبته واعترف بصحته رواية ودراية أئمة كبار، هم أرسخ قدما في العلم، والجمع بين المعقول، والمنقول منه، كالأئمة المازري، والخطابي، والقاضي عياض، وابن تيمية: تقي الدين أحمد الحافظ الناقد المحدث، وابن القيم، وابن كثير، والنووي، والحافظ الناقد ابن حجر، والقرطبي والآلوسي وغيرهم ممن لا يحصيهم العد.

2) إن الذين صححوا حديث السحر كالبخاري ومسلم وغيرهما من أهل الحديث وكل من جاء بعدهم من أهل العلم قالوا: إن ما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم نوع من الأمراض الجسمانية والعوارض البشرية التي تجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد روى الحديث من طرق عدة في الصحيحين وغيرهما، وعن غير واحد من الصحابة منهم: عائشة، وابن عباس، وزيد بن أرقم وغيرهم مما يبعد عنه احتمال الغلط أو السهو أو الكذب، وقد روى الحديث من طرق بلفظ " حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله " ولكن قد وردت بعض الروايات في الصحيح بما يزيل ما في هذه الرواية من إيهام، وهي رواية الإمام العدل الثقة سفيان بن عيينة أحد رجال الحديث والعلم في هذه الأمة الإسلامية وقد رواها عنه إمامان كبيران من شيوخ الإمام البخاري: أحدهما شيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر الجعفي أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي – بفتح النون – قال فيه ابن حجر: " ثقة حافظ جمع المسند من العاشرة مات سنة تسع وعشرين ومائتين وذلك في " كتاب الطب باب هل يستخرج السحر " وثانيهما هو الإمام الحميدي عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي القرشي المكي أبو بكر ثقة حافظ، يعتبر أجل أصحاب ابن عيينة من العاشرة، مات سنة تسع وعشرة ومائتين وقيل بعدها، قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عن الحميدي لا يعدوه إلى غيره ولفظ رواية سفيان: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذلك ".

وهذه الرواية هي التي ينبغي أن يعول عليها، ولذلك قال الإمام القاضي عياض: " يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك كما هو شأن المعقود وقواعد البحث العلمي الصحيح فيما إذا كانت هناك روايتان: إحداهما موهمة خلاف المراد والثانية: ليست موهمة أن نحكم في المراد الرواية الغير الموهمة.

وعلى هذا لا يكون هناك إخلال بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم، وينهار الأساس الذي بنوا عليه إنكار الحديث.

3) وأما أن الحديث مخالف للقرآن فغير مسلم، لأن المشركين لم يريدوا بقولهم: " إن تتبعون إلا رجلا مسحورا " أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى أدركه بعض التغير مدة، ثم شفاه الله، وإنما أرادوا أنه يصدر عن خيال وجنون في كل ما يقول وما يفعل، وأن ما جاء به ليس من الوحي فغرضهم إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس بنبي، ومعروف من شأن الكفار أنهم ما كانوا يثبتون على قول ولا على حال فمرة كانوا يقولون شاعر، ومرة يقولون كاهن، وثالثة كانوا يقولون ساحر، وأخرى أنه مسحور، وهكذا الباطل لجلج لا يثبت أهله على قول ولا حال.

4) وأما قولهم: إذا جاز أن يتخيل ما ليس بواقع واقعا في غير أمور الدين لجاز ذلك في أمور الدين فهو مردود بما قدمناه في بيان المراد من الحديث وأن السحر أثر في جسمه لا في عقله، ولو سلمنا لهم ما تدل عليه الرواية بحسب ظاهرها لما تم لهم ما أرادوا، لأن قياس أمور الوحي والرسالة على أمور الدنيا قياس مع الفارق فإنه بالنسبة لأمور الدين معصوم من الخطأ والتغيير والتبدل، ولا عصمة له في أمور الدنيا، فللرسول صلى الله عليه وسلم اعتباران: اعتبار كونه بشرا، واعتبار كونه رسولا، فبالاعتبار الأول يجوز عليه ما يجوز على سائر البشر، ومنه أن يسحر وبالاعتبار الثاني لا يجوز ما يخل بالرسالة لقيام الدليل العقلي، والنقلي على العصمة منه.

ثم ما رأي المنكرين للحديث فيما ثبت في القرآن منسوبا إلى نبي الله موسى عليه السلام من أنه تخيل في حبال السحرة وعصيهم أنها حيات تسعى، فهل ينكرون القرآن القطعي المتواتر ؟ ! وهل أخل تخيله هذا بمنصب الرسالة والتبليغ ؟ !.

وإذا كان لا مناص لهم من التسليم بما جاء به القرآن، فلم اعتبروا التخيل في حديث السحر منافيا للعصمة ؟ ! ولم يعتبروه في قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام منافيا للعصمة ؟ ! أفيدونا يا قوم ! ! ! !.

لقد شاء الله سبحانه – ولله الحكمة البالغة – أن يبتلي أنبياءه بشتى أنواع الابتلاء ليعلم الناس أنهم بشر مثلهم فلا يرفعوهم إلى درجة الألوهية وليزداد ثواب الأنبياء، وتعظم منازلهم عند الله تعالى بما يقاسونه وما يتحملونه في سبيل تبليغ الدين والرسالات.

ولا أحب أن أطيل بذكر بعض أقوال الأئمة الجامعين بين علمي المعقول والمنقول ولكني سأجتزئ بنقلين اثنين.

     
     
   
   
 
 
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم