- 56 - عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجا النجاء فأطاعته طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة فصبحهم الجيش فاجتاحهم" المعنى العام
يرغب الرسول صلى الله عليه وسلم في الإيمان به وتصديقه وإطاعته في كل ما جاء به عن ربه ويحذر من عصيانه وتكذيبه ومن ضرر مخالفته فيشبه حاله وحال ما جاء به ومن جاء إليهم بحال رجل تحقق عنده جيش العدو تحقق العيان وهو حريص على خير قومه راغب في إبعادهم عن كل مكروه فأقبل ينصحهم باتخاذ وسائل الهرب والنجاة مما لا قبل لهم بمواجهته فمن خاف العدو فسار ليلا سيرا لا ضرر معه ولا إزعاج فإنه ينجو من الهلاك والاجتياح وأما من تقاعس عن الهرب واشتغل بالملاذ حتى أدركه جيش الأعداء فإنه لا محالة هالك هلاكا يفوق كل تشف وكل انتقام وهكذا حال رسول الإسلام مع أمته بين لهم ما فيه خيرهم وما فيه هلاكهم فمن صدقه واستقام على شرعة الله السهلة التي لا مشقة فيها ولا إرهاق نجا من عذاب الله وفاز بالسعادة الأبدية والنعيم المقيم ومن كذبه وعصاه وطغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى
المباحث العربية
(مثلي) المثل بفتحتين هو الصفة العجيبة الشأن يوردها البليغ على سبيل التشبيه لإرادة التقريب والتفهيم
(ومثل ما بعثني الله به) في بعض النسخ حذف العائد
(أتى قوما) التنكير للشيوع
(رأيت الجيش) أل للعهد والمراد الجيش المعهود عداوته للمخاطبين
(بعيني) بالتثنية وفي رواية بالإفراد والغرض من ذكره الإرشاد إلى أنه تحقق عنده جميع ما أخبر به تحقق من رأى شيئا بعينه لا يعتريه وهم ولا يخالطه شك
(وأنا النذير العريان) النذير المنذر والعريان بضم العين الذي تجرد عن ثيابه قال الطيبي في كلامه تأكيدات (1) قوله بعيني (2) "وإني أنا" (3) قوله "العريان" لأنه للغاية في قرب العدو ولأنه الذي يختص في إنذاره بالصدق والنذير العريان مثل قديم والأصل فيه أن رجلا لقي جيشا فأسروه وسلبوه وجردوه من ملابسه فانقلب إلى قومه فقال إني رأيت الجيش بعيني إني أنا النذير لكم وترونني عريانا إذ جردوني من ملابسي فتحققوا صدقه لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة ولم تجر عادته بالتعري فالتحقق من صدق النذير المشبه به نتيجة لهذه القرائن والتحقق من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بما أظهره الله على يده من المعجزة القاطعة بصدقه قال العيني وتنزيل الحديث على هذه القصة بعيد والأنسب لأن يتمثل به النبي صلى الله عليه وسلم هو ما كان من عادة العرب من أن الرجل إذا رأى غارة فاجأت قومه وأراد أن يعلمهم يتعرى من ثيابه ليشير بها أنه فاجأهم أمر ثم صار مثلا لكل منذر مما يخاف مفاجأته ويؤيد هذا ما رواه أحمد "خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فنادى ثلاث مرات أيها الناس مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا أن يأتيهم فبعثوا رجلا يتراءى لهم فبينما هم كذلك إذ أبصر العدو فأقبل ليذكر قومه فخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه أيها الناس أوتيتم (ثلاث مرات)
(فالنجاء النجاء) روي بالهمزة فيهما وبالقصر فيهما وبمد الأولى وقصر الثانية تخفيفا وروي بتاء التأنيث والنصب في الكل على الإغراء أي اطلبوا النجاة بأن تسرعوا بالهرب فإنكم لا تطيقون مقاومته والتكرير للتأكيد والفاء فصيحة في جواب شرط مقدر أي إذا صدقتموني فاطلبوا النجاة
(فأطاعته طائفة) الفاء لترتيب الإطاعة على القول وفي رواية "فأطاعة طائفة" بتذكير الفعل لأن الطائفة بعض القوم
(فأدلجوا) أي ساروا أول الليل أو كله
(على مهلهم) بفتح الهاء الأولى وبسكونها وهو السكينة والتؤدة والرفق
(وكذبته طائفة) كان الظاهر أن يقول "وعصته" ليقابل "فأطاعته" أو يقول فصدقته بدل "فأطاعته" ليقابل "كذبته" ولكنه عدل عن ذلك ليفيد أن النجاة موقوفة على الطاعة ولا يكفي فيها التصديق مع العصيان وإن الاجتياح الذي هو الإهلاك والاستئصال إنما يتناسب مع التكذيب ويكفي لحصوله التكذيب وحده وإن وجدت معه طاعة ظاهرية كحال المنافقين وقال الطيبي عبر في الأولى بالطاعة وفي الثانية بالتكذيب ليؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق ويشعر بأن التكذيب مستتبع للعصيان
(فصبحهم الجيش) أصله أتاهم صباحا ثم كثر استعماله حتى استعمل فيمن طرق بغته ولو في غير الصباح
شبه الرسول حاله وحال ما جاء به وحال المبعوث إليهم شبه هذه الصفة كلها بصفة رجل مقطوع بصدقه جاء ينصح قومه بما ينفعهم وينجيهم من هلاك ودمار على يد جيش لا قبل لهم به فصدقه جماعة فاتخذوا وسائل النجاة فنجوا وكذبه آخرون فتقاعسوا حتى أدركهم العدو فأبادهم
فقه الحديث
أفاد هذا الحديث
1- وجوب المبادرة بالاعتصام بحبل الله والإيمان بالرسول وطاعته والانتهاء عن المعاصي لتحقق النجاة للمرء من عذاب الله
2- فضل الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته إذ هداهم إلى الله وأنار لهم السبيل وبصرهم بالعواقب وأنذرهم عذاب يوم كبير
3- ضرب الأمثال تقريبا لإفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه.