الصفحة الرئيسية >> الشروح >> المنهل الحديث(دار الشروق)
 
- 7 - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي؟ قال فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله فوقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت ثم قالوا حدثنا ما هي يا رسول الله قال هي النخلة".

المعنى العام

جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عشرة من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وأبو هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر، فأتى صلى الله عليه وسلم بجمار نخل فشرع يأكل، تاليا قوله تعالى ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ثم نظر في أصحابه فقال: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها طول العام، ولا ينعدم ظلها، ولا يبطل نفعها، ولا ينقطع من البيوت على مر الأيام ثمرها وإنها مثل المسلم ثابت الدين، يصدر منه من العلوم والخير قوت مستطاب للأرواح ينتفع بعلمه وصلاحه وآثاره حيا وميتا، فنبئوني ما هي هذه الشجرة؟ راح كل واحد من الحاضرين يفكر فيما يصدق عليه الأوصاف من الشجر، وأخذوا يقولون: شجرة كذا. فيقال: لا . شجرة كذا. فيقال: لا، عددوا من شجر البوادي ما عددوا، فلما عجزوا قالوا: أخبرنا يا رسول الله ما هي الشجرة؟ قال: هي النخلة.

فلما انصرفوا قال عبد الله بن عمر لأبيه. لقد عرفتها والله يا أبت حينما سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفت أنها النخلة، فقد كنت ألاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأكل جمارها وهو يسأل، قال عمر لابنه: وما منعك يا عبد الله من أن تجيب؟ قال: يا أبت. نظرت إليكم فإذا أنا عاشر عشرة أنا أصغركم استحييت منك ومن أبي بكر وأبي هريرة وأنس وكبار الصحابة، رأيت أن من الأدب أن لا أجيب أمامكن على سؤال عجزتم عن جوابه. قال عمر: لأن كنت أجبت كان أحب إلي من حمر النعم، كنت سأكون سعيدا بجوابك حين عجز القوم أكثر من سعادتي بأعظم الأموال وأنفسها وأغلاها.

المباحث العربية

(إن من الشجر شجرة) "من" تبعيضية، و"أل" في "الشجر" للجنس. أي إن بعض جنس الشجر شجرة.

(لا يسقط ورقها) كما يسقط أوراق غيرها في بعض فصول العام، بل ولا يخف كما يخف كثير من ورق الشجر، والجملة صفة "شجرة" وفي رواية "لا يتحات ورقها ولا....ولا....ولا..." قيل في تفسيرها: "ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيؤها، ولا يبطل نفعها" قال بعض العلماء: بركة النخل في جميع أجزائها، وعلى مر الأيام، فمن حين يطلع ثمرها إلى أن ييبس يؤكل أنواعا، بسرا ورطبا وتمرا، وينتفع بخوصها وجريدها وليفها وجذعها حتى النوى ينتفع به في علف الدواب.

(وإنها مثل المسلم) "مثل" روي بفتح الميم والثاء، وبكسر الميم وسكون الثاء، مثل شبه -بفتح الشين والباء، وبكسر الشين وسكون الباء -لفظا ومعنى. والنخلة في روايتنا مشبه، والمسلم مشبه به، وجاء في رواية "إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها أنملة" فالمؤمن مشبه، والنخلة مشبه به ووجه الشبه على الروايتين دوام النفع وكثرة الخير، ورواية "لا تسقط لها أنملة ولا تسقط لمؤمن دعوة" ورواية "شجرة مثلها مثل المؤمن، أصلها ثابت وفرعها في السماء" على أساس أن دين المسلم ثابت وعمله مقبول مرفوع وإن كان فيهما إشارة إلى وجه شبه، لكنهما فردان من أفراد دوام النفع وكثرة الخير، ولذا كانت رواية البزار شاملة موجزة. إذ قالت "مثل المؤمن مثل النخلة ما أتاك منها نفعك" وإسناده صحيح.

أما من قال إن وجه الشبه كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت، أو كونها لا تحمل حتى تلقح، أو كونها تموت إذا غرقت، أو لأن لطلعها رائحة مني الآدمي، أو لأنها تعشق، أو لأنها تشرب من أعلاها، فكلها أوجه ضعيفة لا يعتد بها، كما قال الحافظ ابن حجر، لأن جميع ذلك من المتشابهات مشترك في الآدمي لا يختص بالمسلم.

(فحدثوني ما هي؟) الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا عرفتموها فحدثوني، وجملة "ما هي" خبر ومبتدأ سدت مسد مفعولي "حدث".

(فوقع الناس في شجر البوادي) أي ذهبت أفكارهم في أشجار البادية فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع وذهلوا عن النخلة. يقال: وقع الطائر على الشجرة إذا نزل عليها.

(ووقع في نفسي أنها النخلة) في رواية "فظننت أنها النخلة من أجل الجمار الذي أتى به".

(فاستحييت) في رواية "فأردت أن أقول هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم" وفي أخرى "فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم" وفي رواية "ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم".

فقه الحديث

ذكر البخاري هذا الحديث في باب الحياء في العلم، قال الحافظ ابن حجر: فيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت. اهـ. وفي هذا الكلام نظر، إذ كيف يتمنى عمر أن يكون ابنه قد ترك المستحب. والحياء في العلم مذموم، وليس مستحبا لكن عدمه هنا تعارض مع توقير الكبير، فرفع الذم ولم يأخذ حكم الاستحباب وتمنى عمر أن لو قالها إنما كان من قبيل ما طبع الإنسان عليه من حبه الخير لنفسه ولولده، ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره، وليزداد من النبي صلى الله عليه وسلم حظوة، ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم.

وذكره البخاري في باب الفهم في العلم كدليل على أن العلم مواهب، وأن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه، والله يؤتي فضله من يشاء.

وبوب عليه البخاري في الأطعمة كدليل على أن قطع الجمار ليس من باب إضاعة المال، وأن بيع الجمار جائز وليس من باب بيع الثمار قبل بدو صلاحها.

وبوب عليه البخاري في الأدب لما فيه من توقير الكبير وتقديم الصغير أباه في القول، وأنه لا يبادره بما فهمه وإن ظن أنه الصواب.

ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم:

1- ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الأفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن.

2- الإشارة إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله شيء منها.

3- فيه امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى، مع بيانه لهم إن لم يفهموه، أما حديث معاوية في النهي عن الأغلوطات -أي صعاب المسائل -فإنه محمول على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنت المسئول أو تعجيزه.

4- فيه إشارة إلى أن سامع اللغز ينبغي أن يتفطن للقرائن الواقعة عند السؤال فإن ابن عمر إنما فهم لملاحظته قرينة الجمار. كما ذكر في بعض الروايات.

5- فيه أن الملغز ينبغي أن لا يبالغ في التعمية، بحيث لا يجعل للسامع بابا يدخل منه، بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه.

6- فيه دليل على بركة النخلة وما تثمره.

7- استدل به مالك على أن الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير لا يقدح إذا كان أصلها لله. وهذا المأخذ من رواية قول عمر لابنه "لو قلتها..." إلخ.

8- كما يؤخذ من الرواية نفسها الإشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر، لأنه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحمر النعم.

9- ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من العطاء ونفع الغير وبذل الخير.

جزء
1
صفحة
0035_0039
مسلسل
16
المنهل الحديث(دار الشروق)
كتاب الإيمان
زيادة الإيمان ونقصه في الإسلام
- 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن...
- 2 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله...
- 3 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 4 - عن عبادة بن الصامت رضي الله ...
- 5 - عن المعرور بن سويد قال: لقي...
- 6 - عن عبد الله بن عمرو رضي الل...
- 8 - عن أبي واقد الليثي رضي الله...
- 9 - عن ابن شهاب قال قال حميد بن...
- 10 - عن عباد بن تميم عن عمه أنه...
- 11 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 12 - عن ابن عباس رضي الله عنهما ...
- 13 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 14 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 15 - عن عائشة رضي الله عنها "أن...
- 16 - عن جابر بن عبد الله رضي ال...
- 17 - عن عائشة أم المؤمنين رضي ال...
- 18 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 19 - عن جابر بن عبد الله رضي الل...
- 20 - عن علقمة قال: قال عبد الله ...
- 21 - عن عائشة أم المؤمنين أن أم...
- 22 - عن ابن عمر رضي الله عنهما ...
- 23 - عن عثمان بن عفان رضي الله ...
- 24 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ع...
- 25 - عن أبي جهيم رضي الله عنه قا...
- 26 - عن عبد الله رضي الله عنه قا...
- 27 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 28 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10
...
     
 
زوار اليوم4
عدد الزوار الاجمالى1705678
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم