- 9 - عن ابن شهاب قال قال حميد بن عبد الرحمن سمعت معاوية خطيبا يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله". المعنى العام
بينما كان صلى الله عليه وسلم يوزع الصدقات والأعطيات على مستحقيها اعترض أحدهم على القسمة، فقال: اعدل يا رسول الله. قال: ويحك؟ من يعدل إذا لم أعدل؟ تفقه يا هذا في دينك، وتعلم قواعد شريعتك، وتفهم أحكام الإسلام، والرضا بما حكم نبيه، ومن لم يتفقه في الدين حرم الخير، ولم يبال الله به، وإن من فقه الدين أن تعلم يا هذا أن الله هو المعطي، هو مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير، إنه على كل شيء قدير، وإن من الدين أن تعلم يا هذا أنني ما أنا إلا قاسم وموزع ومناول، ما أنا إلا أداة منفذة لإرادة الله، وإرادة الله فوق كل شيء، وهو الذي يعطي، تعلم يا هذا فقه الدين، واسلك طريق من أراد اللهم بهم خيرا، فهم قناديل منيرة في كل عصر، يبقون على الحق ما بقي الزمان، لا يطفئهم أعداء الله، ولا يضرهم العتاة، حتى يأتي أمر الله، وتقوم الساعة.
فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.
المباحث العربية
(عن معاوية بن أبي سفيان) أصل السند في البخاري: قال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبا يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول) قال الزمخشري: تقول: سمعت رجلا يقول كذا، فتوقع السمع على الرجل وتحذف المسموع، لأنك وصفت الرجل بما يسمع، في مثل: سمعت رجلا يقول كذا، أو جعلت ما يسمع حالا من الرجل إذا كان معرفة، كما في "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فأغناك الوصف أو الحال عن ذكر المسموع وهو القول، ولولا الوصف أو الحال لم يكن بد من أن يقال: سمعت قول فلان...إلخ. انتهى بتصرف.
(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) "يفقهه" بسكون الهاء، مجزوم جوابا للشرط، أي يفهمه، يقال: فقه بضم القاف إذا صار فقيها والفقه سجية له، وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقه بالكسر إذا فهم.
وفقهه الله، صيره وجعله يفهم، ويسابق في الفهم، ويصبح الفهم سجية وملكة له، ولما كان الفقه في اللغة يشمل الفهم في أي من الأمور، دنيوية أو أخروية خصه هنا بالفهم في الدين، أي فهم كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم سواء كان في العقائد، أو الأحكام الفرعية، أو مطلق التفسير أو مطلق الحديث أو الآداب، وهو المراد من الخير الخير الأخروي، ونكر "خيرا" ليشمل القليل والكثير، بناء على أن التفقه في الدين موزع يزيد وينقص على مختلف الفقهاء.
(وإنما أنا قاسم، والله عز وجل يعطي) "إنما" أداة قصر، وهو هنا من قصر الموصوف على صفة، وهو غير حقيقي بل إضافي، قصر قلب لمن يعتقد أنه معط فقط، وقصر إفراد لمن يعتقد أنه قاسم ومعط، أي أنا قاسم ولست معطيا أي ما أنا إلا واسطة مناولة وتوصيل، والعطاء الحقيقي كله من الله. والمقسوم والمعطي محذوف للتعميم، أي كل ما أوصله ليس لي فيه إلا المناولة وقصر المقسوم والمعطي على مال الفيء والصدقة مراعاة لسبب ورود الحديث أو قصره على الموحي به وتبليغه مراعاة لصدر الحديث "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وقصره على هذا أو ذاك تضييق لواسع. لكن أيا من هذين الأمرين يصلح وجه ارتباط بين هذه الجملة وبين صدر الحديث، وعبر بالمضارع بدل اسم الفاعل في "يعطي" لإفادة التجدد والحدوث وتوالي النعم والعطاء، وجملتا "عز وجل" معترضتان بين المبتدأ والخبر للتنزيه والتقديس.
(ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله) أي على دين الله وفقهه، والمراد بالأمة أمة الإجابة، وتصدق ببعض أفرادها، وما يقوم به بعضها يستند وينسب إليها، أي وسيظل بعض أفراد هذه الأمة متفقهين في دين الله. أما من هم المقصودون بهذا البعض؟ فآراء، تأتي في فقه الحديث. وأما علاقة هذه الجملة بما قبلها فهي رفع إيهام أن الخير والتفقه في الدين مرتبط بزمن أو قرون.
(لا يضرهم من خالفهم) أي لا يثنيهم وعد أو وعيد عن قيامهم على دين الله، وجهرهم بالحق، وصلابتهم فيه.
(حتى يأتي أمر الله) أي قيام الساعة. أي إلى نهاية الدنيا، وبعدها يكون الحكم لله وحده، والأمر لله وحده، ولا تكليف، فلا وجه للاستشكال بأن ما بعد "حتى" يخالف ما قبلها، فيترتب عليه أن هذه الأمة بعد قيام الساعة لا تقوم على أمر الله، أو يضرها حينئذ من خالفها، وقيل: إن لفظ الغاية قصد به التأبيد، كقوله تعالى
خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض
أي قائمين على دين الله أبدا، أو لا يضرهم من خالفهم أبدا وقيل: المراد من أمر الله الثاني فتنة الدجال، فما بعد الغاية يخالف ما قبلها وأحسن التوجيهات هو الأول.
فقه الحديث
إذا كان الحديث قد سيق إثر اعتراض أحد الصحابة على عطاء أعطيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ما كان يطمع، أو اعتراضه على تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض الفيء والصدقات، وأنه أريد به إلزام المعترض بالتسليم، وإرشاده إلى الاستزاد من التفقه في دين الله، ليعلم أن الإيمان الحقيقي في قبول ما جاء وما يجئ به محمد صلى الله عليه وسلم وأن (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وتوجيهه إلى فهم قوله تعالى
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما 
وإذا كان هذا هو المورد فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ويؤخذ من الحديث:
1- أن التفقه في الدين خير، قال الحافظ: ومفهومه أن من لم يتفقه في الدين ويعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير.
2- أن التفقه في الدين لا يكون بالاكتساب فقط، بل بالاكتساب لمن يفتح الله عليه به.
3- أن من يفتح الله عليه بذلك سيبقى جنسه موجودا حتى يرث الله الأرض ومن عليها, وفي نوعية هذا الجنس قال بعضهم: هم أهل العلم بالقرآن والحديث والآثار، وقال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ وقال القاضي عياض: أراد أحمد: أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث، وهذا توجيه حسن، ووسع الإمام النووي الدائرة فقال: يحتمل أن تكون هذه الطائفة من أنواع المؤمنين، ممن يقيم أمر الله تعالى من مجاهد ومن زاهد، ومن آمر بالمعروف، ومن فقيه ومحدث وغير ذلك من أنواع الخير، ومن حيث اجتماع هذه الطائفة في مكان قال: ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد بل يجوز أن يكونوا متفرقين .اهـ.
وفي استمرار هذا النوع إلى قيام الساعة كلام كثير استدعاه أحاديث صحيحة، منها "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس". "يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة، كحفالة الشعير أو التمر (أي ما يتساقط من قشور الشعير والتمر) لا يبالهم الله باله". تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر، ينزو بعضهم على بعض نزو المعز (أي يركب بعضهم بعضا) على أولئك تقوم الساعة". "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" وفيه "يبعث الله ريحا طيبة، فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان".
هذه الأحاديث في البخاري ومسلم، ويتعارض ظاهرها مع حديثنا، قال الحافظ ابن حجر: وجدت في هذا مناظرة. أخرج الحاكم أن عبد الله بن عمرو قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية. فقال عقبة بن عامر: أعلم ما تقول، وأما أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك".
فقال عبد الله: أجل "ويبعث الله ريحا، ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة".
قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا فالمراد من قوله في حديث عقبة "حتى تأتيهم الساعة" ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح. اهـ
ويمكن في حديثنا حمل قوله "حتى يأتي أمر الله" على معنى: حتى يأتي أمر الله بهذه الريح فتقبضهم" والله أعلم.
4- وفي الحديث بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس.
5- ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم.
6- أخذ منه بعضهم دليلا على حجية الإجماع، لأن مفهومه أن الحق لا يعدو هذه الأمة.
7- استدل به البعض على امتناع خلو أي عصر عن مجتهد.
8- فيه أدبه صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته، حيث لم يغلظ القول لمن اعترض عليه بل وجهه برفق إلى تعلم الدين.
9- وفيه اعترافه بأن المعطي لكل شيء هو الله تعالى وأن الإنسان ما هو إلا واسطة.
10- وفيه إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، وما يكون في آخر الزمان والله أعلم.