وقد رواه ابن أبي ذئب أيضا، عن الزهري كذلك. ورواه العباس الخلال، عن الوليد بن مسلم، عن ابن وهب.
ورشدين بن سعد، عن يونس، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في ذلك. نقله ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه.
فهذا الحديث محمول عند البخاري على أن هذا الرجل كان منافقا، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى عنه الإيمان وأثبت له الاستسلام دون الإسلام الحقيقي، وهو أيضًا قول محمد بن نصر المروزي.
وهذا في غاية البعد، وآخر الحديث يرد على ذلك، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه" فإن هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وكله إلى إيمانه كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم ويمنع المهاجرين والأنصار.
وزعم علي بن المديني في كتاب "العلل" له أن هذا من باب المزاح من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يمزح ولا يقول إلا حقًا، فأوهم سعدًا أنه ليس بمؤمن؛ بل مسلم وهما بمعنى واحد كما يقول (198- أ/ف) لرجل يمازحه وهو يدعي أنه أخ لرجل فيقول: إنما أنت ابن أبيه أو ابن أمه، وما أشبه ذلك مما يوهم الفرق والمعنى واحد.
وهذا تعسف شديد.
والظاهر -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر سعدًا عن الشهادة بالإيمان؛ لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال: "إن كنت مادحًا لا محالة فقل: أحسب فلانًا كذا ولا أزكي على الله أحدًا"، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه كما في "المسند" عن أنس مرفوعا: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب".
ولهذا كره أكثر السلف أن يطلق الإنسان على نفسه أنه مؤمن، وقالوا: هو صفة مدح، وتزكية للنفس بما غاب من أعمالها؛ وإنما يشهد لنفسه بالإسلام لظهوره، فأما حديث: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان"، فقد خرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا.
وقال أحمد: هو حديث منكر، ودراج له مناكير، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره البخاري في هذا الباب من الآية والحديث إنما يطابق التبويب على اعتقاده أنه لا فرق بين الإسلام والإيمان.
وأما على قول الأكثرين بالتفريق بينهما: فإنما ينبغي أن يذكر في هذا الباب قوله عز وجل:
وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا
[آل عمران: 83] فإن الجمهور على أنه أراد استسلام الخلق كلهم له وخضوعهم فأما المؤمن فيستسلم ويخضع طوعا، وأما الكافر فإنه يضطر إلى الاستسلام عند الشدائد ونزول البلاء به كرها ثم يعود إلى شركه عند زوال ذلك كله كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من القرآن.
والحديث الذي يطابق الباب على اختيار المفرقين بين الإسلام والإيمان: قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر قرينه من الجن: "ولكن الله أعانني عليه فأسلم".
وقد روي بضم الميم وفتحها؛ فمن رواه بضمها قال: المراد: أي أنا أسلم من شره، ومن رواه بفتحها، فمنهم من فسره بأنه أسلم من كفره فصار مسلما.
وقد ورد التصريح بذلك في رواية خرجها البزار في "مسنده" بإسناد فيه ضعف.
ومنهم من فسره بأنه استسلم وخضع وانقاد كرها، وهو تفسير ابن عيينة وغيره، فيطابق على هذا ترجمة الباب، والله أعلم.