إن أئمة الحديث كما عنوا به من ناحية جمعه في الكتب الجامعة لمتونه عنوا بالبحث عنه من نواح أخرى تتصل به من جهة سنده ومتنه مما يتوقف عليه قبوله أو رده، ولعمر الحق إن البحث عنه من هذه النواحي بحث جليل القدر، جم الفائدة إذ يتوقف عليه تمييز الطيب من الخبيث، والصحيح من العليل، وتطهير السنة مما عسى أن يكون دخلها من التزيد والاختلاق، وبذلك تسلم الشريعة من الفساد، وتلك النواحي التي بحثوا فيها مثل كون الحديث صحيحا أو حسنا أو ضعيفا وأحوال كل، وبيان أقسام الضعيف كالمنقطع والمعضل، والشاذ والمقلوب، والمنكر، والمضطرب، والموضوع، وما يتصل بذلك من البحث عن أحوال الرجال من الجرح والتعديل، وألفاظ كل، والرواية، وشروطها، والتحمل وكيفياته، والأداء وألفاظه، وبيان علل الحديث، وغريبه، ومختلفه، وناسخه ومنسوخه، وطبقات الرواة، وأوطانهم، ووفياتهم، إلى غير ذلك مما تجده مبسوطا في كتب علوم الحديث والرجال.

وقد علمت آنفا أن السنة لم تدون تدوينا عاما إلا في آخر القرن الأول، ولا يشكلن عليك أن مباحث الرواية وشروطها، والرواة وصفاتهم، والتعديل والتجريح، لم تكن مدونة آنئذ، لأنها كانت منقوشة في الحوافظ والأذهان، وعلى صفحات القلوب، شأنها في ذلك شأن متون الأحاديث، وما كان أئمة الحديث الجامعون له بغائبة عنهم هذه القواعد بل كانوا يعرفونها حق المعرفة، فكان وجودها في الأذهان وإن لم توجد في الأعيان، وكان من أثر هذه المعرفة ما نقل إلينا من التثبت البالغ والتحوط الشديد في قبول المرويات وتدوينها، وصيانتها عن أن يتطرق إليها الكذب، أو الغلط، أو الخطأ.

وإنك لتلمس هذا جليا في الكتب التي ألفت في القرون الأولى فقد مزجت فيها المتون بأصول علم النقد والرواية، ومن ذلك ما نجده في أثناء مباحث كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (م 204) وما نقله تلاميذ الإمام أحمد (م 241) في أسئلتهم له ومحاورتهم معه، وما كتبه الإمام مسلم (م 161) في مقدمة صحيحه وما ذكره الإمام أبو داود (م 275) في رسالته إلى أهل مكة في بيان طريقته في كتابه " السنن " المشهور، وما ذكره الإمام أبو عيسى الترمذي (م 279) في كتابه " العلل " الذي هو في آخر جامعه من تصحيح وتحسين وتضعيف، وما ذكره الإمام البخاري (م 256) في تواريخه الثلاثة، إلى غير ذلك.

ومن ثم يتبين لنا أن نقد المرويات، وتمييز صحيحها من زائفها قد كان ملازما لجمعها في الكتب والجوامع والمسانيد، وإذا كان بعض هذه الكتب الجامعة للمتون يوجد فيها الضعيف والمنكر والموضوع – على ندرة جدا – من غير تنبيه إليه، فمرجع ذلك اختلاف أنظار أئمة الحديث في الجرح والتعديل وشروطهم في التصحيح والتضعيف فمنهم المشدد، ومنهم المتساهل، ومنهم المتوسط في الجرح، وقد يخفى على بعضهم من العلل ما لا يخفى على الآخر وهذا شيء يدل على حرية البحث في الإسلام، حرية منشؤها الرغبة في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، لا الهوى والشهوة.

     
     
   
   
 
 
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم