وقد عني المحدثون عناية فائقة بنقد الأسانيد بحيث لم يدعوا زيادة لمستزيد وقد خلفوا لنا في نقد الرجال ثروة هائلة ضخمة ، منها ما ألف في الثقات، ومنها ما ألف في الضعفاء، ومنها ما ألف فيما هو أعم منهما، ولم يكتفوا في نقدهم للرجال بالتجريح الظاهري، بل عنوا أيضا بالنقد النفسي، وليس أدل على هذا من تفريقهم بين رواية المبتدع الداعية وغير الداعية، فردوا رواية الأول وقبلوا رواية الثاني، لأن احتمال الكذب في الأول قريب، ولا كذلك الثاني، وكذلك ردوا رواية المبتدع وإن كان غير داعية إذا روى ما يؤيد بدعته، لأن احتمال الكذب قريب لتأييد بدعته، وقبلوا رواية المبتدع الداعية إذا روى ما يخالف بدعته، لأن احتمال الكذب من الناحية النفسية بعيد جدا في هذا.

وكذلك اعتبروا من الجرح الذهاب إلى بيوت الحكام، وقبول جوائزهم ونحو ذلك مما راعوا فيه أن الدوافع النفسية قد تحمل صاحبها على الانحراف .

وكما عني المحدثون بنقد الأسانيد – النقد الخارجي – عنوا بنقد المتون – النقد الداخلي – وليس أدل على هذا أنهم جعلوا من أمارة الحديث الموضوع مخالفته للعقل أو المشاهدة والحس مع عدم إمكان تأويله تأويلا قريبا محتملا وأنهم كثيرا ما يريدون الحديث لمخالفته للقرآن أو السنة المشهورة الصحيحة أو التاريخ المعروف مع تعذر التوفيق، وأنهم جعلوا من أقسام الحديث الضعيف المنكر والشاذ، ومعلل المتن ومضطرب المتن إلى غير ذلك.

نعم لم يبالغ المحدثون في نقد المتون مبالغتهم في نقد الأسانيد لأمور جديرة بالاعتبار تشهد لهم بأصالة النظر وعمق التفكير والاتئاد في البحث الصحيح، وسأعرض لهذا بالتفصيل والتوضيح فيما بعد.

     
     
   
   
 
 
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم