شبهات حول حجية السنة >> بيان الشبه التي أوردها بعض من ينكر حجية السنة والرد عليها >> الشبهة الأولى: قولهم بأن القرآن قد حوى كل شيء من أمور الدين بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر مثل السنة
 
     
     
  الشبهة الأولى: قولهم بأن القرآن قد حوى كل شيء من أمور الدين بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر مثل السنة

قالوا: إن الله تعالى يقول: ما فرطنا في الكتاب من شيء ويقول: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء

وذلك يدل على أن الكتاب قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه، وأنه قد بينه بيانا تاما، وفصله تفصيلا واضحا: بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر مثل السنة ينص على حكم من أحكام الدين أو يبينه ويفصله، وإلا: لكان الكتاب مفرطا فيه، ولما كان تبيانا لكل شيء، فيلزم الخلف في خبره تعالى. وهو محال.

الجواب

أنه ليس المراد من الكتاب –في الآية الأولى-: القرآن، بل المراد به: اللوح المحفوظ، فإنه الذي حوى كل شيء، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات كبيرها وصغيرها، جليلها ودقيقها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، على التفصيل التام، كما قال صلى الله عليه وسلم: " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة "

وهذا هو المناسب لذكر هذه الجملة عقب قوله: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم فإن أظهر الأقوال – في معنى المثلية هنا: أن أحوال الدواب من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاء، موجودة في الكتاب المحفوظ مثل أحوال البشر في ذلك كله.

ولو سلمنا أن المراد به القرآن – كما هو في الآية الثانية: فلا يمكن حمل الآيتين على ظاهرهما: من العموم، وأن القرآن اشتمل على بيان وتفصيل كل شيء، وكل حكم، سواء أكان ذلك من أمور الدين أم من أمور الدنيا، وأنه لم يفرط في شيء منها جميعها. وإلا للزم الخلف في خبره تعالى. كما هو ظاهر بالنسبة للأمور الدنيوية، وكما يعلم مما سبق في بيان أن القرآن يتعذر العمل به وحده بالنسبة للأحكام الدينية. فيجب العدول عن ظاهرهما، وتأويلهما.


وللعلماء في تأويلهما وجوه:

الوجه الأول: أن المراد: أنه لم يفرط في شيء من أمور الدين وأحكامه، وأنه بينها جميعها دون ما عداها، لأن المقصود من إنزال الكتاب: بيان الدين، ومعرفة الله، ومعرفة أحكام الله

إلا أن هذا البيان على نوعين:

بيان بطريق النص، وذلك: مثل بيانه أصول الدين وعقائده، وبيانه وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، وحل البيع والنكاح، وحرمة الربا والفواحش، وحل أكل الطيبات وحرمة أكل الخبائث. وبيان بطريق الإحالة على دليل من الأدلة الأخرى التي اعتبرها الشارع في كتابة أدلة وحججا على خلقه. فكل حكم – مما بينته السنة أو الإجماع أو القياس أو غير ذلك من الأدلة المعتبرة: فالقرآن مبين له. لأنه بين مدركه ووجهنا نحوه، وأرشدنا إليه، وأوجب علينا العمل به. ولولا إرشاده لهذا المدرك، وإيجابه العمل بمقتضاه: لما علمنا ذلك الحكم وعملنا به. فالقرآن إذن هو: أساس التشريع، وإليه ترجع جميع أحكام الشريعة الإسلامية بهذا المعنى.

قال الشافعي: " فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة، إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. قال الله تبارك وتعالى: كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وقال: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون وقال: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وقال: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

"والبيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشبعة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشبعة: أنها بيان لمن خوطب بها – ممن نزل القرآن بلسانه – متقاربة الاستواء عنده وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض. ومختلفة عند من يجهل لسان العرب"

فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه مما تعبدهم به بما مضى في حكمه جل ثناؤه – من وجوه:

(فمنها): ما أبانه لخلقه نصا. مثل جمل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا وصوما، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبين لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بين نصا

"ومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبين كيف هو على لسان نبيه، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه"

"ومنها: ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس لله فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابة طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى حكمه. فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل "

"ومنها: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم. فغنه يقول تبارك وتعالى: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أحباركم وقال: وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم وقال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون إلى آخر ما قال.

ثم قال: "البيان الرابع: كل ما سن رسول الله مما ليس فيه كتاب. وفيما كتبنا في كتابنا هذا – من ذكر ما من الله به على العباد: من تعلم الكتاب والحكمة - دليل على أن الحكمة سنة رسول الله، مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله وبين من موضعه الذي وضعه الله به من دينه – الدليل على أن البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه:

(منها): ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه، فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره.

(ومنها): ما أتى على غاية البيان في فرضه وافترض طاعة رسوله. فبين رسول الله عن الله: كيف فرضه ؟ وعلى من فرضه ؟ ومتى يزول بعضه ويثبت ويجب ؟

(ومنها): ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب، وكل شيء منها بيان في كتاب الله، فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه: قبل عن رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته. فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله، وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما. كما أحل وحرم وفرض وحد بأسباب متفرقة. كما شاء جل ثناؤه لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون أ هـ

ومن هذا الكلام الأخير تعلم الجواب عما قاله الدكتور صدقي في مقاله: " لم كان بعض الدين قرآنا والبعض الآخر حديثا ؟ وما الحكمة في ذلك ؟

وقد حكي أن الشافعي (رحمه الله) كان جالسا في المسجد الحرام فقال: " لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى " فقال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور ؟ فقال: لا شيء عليه، فقال أين هذا في كتاب الله ؟ فقال: قال الله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه ثم ذكر إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله عنه أنه قال: " للمحرم قتل الزنبور " فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات، وقد حكي عن ابن مسعود في لعنة الواشمة والمستوشمة نحو ذلك مما تقدم ذكره.

وقد روي في حديث العسيف الزاني: "أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اقض بيننا بكتاب الله. فقال (عليه السلام): " لأقضين بينكما بكتاب الله". ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت" قال الواحدي: "وليس للرجم والتغريب ذكر في نص الكتاب. وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله". أهـ.

الوجه الثاني: أن الكتاب لم يفرط في شيء من أمور الدين على سبيل الإجمال؛ وبين جميع كليات الشريعة دون النص على جزئياتها وتفاصيلها. ومن المعلوم أن ذلك لا يكفي في استنباط المجتهد ما يقوم به العبادة، ويحرر المعاملة. فلابد له من الرجوع إلى ما يبين له المجمل ويفصله له، ويبين جزئيات هذه الكليات. وسيأتي عند الكلام على كون السنة مستقلة بالتشريع -بيان آراء العلماء في هذا الوجه.

قال أبو سليمان الخطابي -في معالم السنن- : "سمعت ابن الأعرابي يقول ونحن نسمع منه هذا الكتاب (يعني سنن أبي داود) فأشار إلى النسخة وهي بين يديه: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب: لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة. وهذا كما قال شك فيه: لأن الله تعالى أنزل كتابه تبيانا لكل شيء، وقال: ما فرطنا في الكتاب من شيء فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب إلا أن البيان على ضربين: بيان جلي تناوله الذكر نصا، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمنا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولا إلى النبي وهو معنى قوله سبحانه: لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان " أ. هـ

الوجه الثالث -وقد حكاه الألوسي عن بعضهم– : أن الأمور إما دينية أو دنيوية. والدنيوية لا اهتمام للشارع بها: إذ لم يبعث له. والدينية إما أصلي أو فرعية. والاهتمام بالفرعية دون الاهتمام بالأصلية: فإن المطلوب أولا بالذات من بعثة الأنبياء هو التوحيد وما أشبهه، بل المطلوب من خلق العباد هو معرفته تعالى، كما يشهد له قوله سبحانه: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون بناء على تفسير كثير " العبادة ": بالمعرفة. وقوله تعالى – في الحديث القدسي المشهور على الألسنة المصحح من طريق الصوفية: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف. فخلقت الخلق لأعرف " والقرآن العظيم: قد تكفل بالأمور الدينية الأصلية على أتم وجه. فليكن المراد من " كل شيء " ذلك

     
     
   
   
 
 
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم